نحن .. من نسلّح أبناءنا ونرسلهم للإقتتال
إنها الأعياد بأبهى حللها (أكيد مش اليوم ولا بكرا، بس يعني الأعياد بشكل عام)، تجتاح لبنان والعالم ببهجتها وسرورها، فتزرع الطمأنينة في نفوس الشعوب، مبعدة عنهم شبح المشاكل السياسية والإقتصادية التي تضرب العالم بشكل فتّاك خصوصاً مع إنهيار الأنظمة الرأسماليّة العمرانيّة الأخيرة المتمثلة ب “كارثة دبّي” (من فترة مش كبيرة)، إلا اننا في لبنان خاصة لا زلنا نقاوم هذه المعضلات الفتّاكة، فما أن يأتي العيد (بغضّ النظر عن الحالة التي يأتي بها) حتى نكتسح الاسواق الشرائية، بغية التمتع بالعروضات والخدمات التي يقدمها التجار، لكل الناس بمختلف الأسعار ومختلف الأعمار.
فالمأكولات تتزين على أنواعها على “بسطات” الباعة كأنها فرقة موسيقيّة تتجهز لعزف ألحان العيد، أما المشروب على إختلافه إن كان روحياً ساحراً يأخذ الروح في هذه المناسبات إلى ما هو أبعد من الأنف (الذي إعتدنا عدم تخطيه في الأيام العادية) فنعيش السحر الذي يشلّ حركة شفاهنا، وإن كان غير روحيّ بسحره وقناعة شاربيه بأنه ألذ وأشهى مما هو محرّم، وبعيداً عن هذه الإحتياجات الأساسية، تتزين الملابس بأبهى الحلل، ففي عصر الموضة والعولمة، اللذان حدّا من سفر الذوّاقة إلى خارج البلاد (فرنسا وأميركا) لشراء أفخر وأجود الثياب التي تليق بهم وبمقامهم في سهرات العيد، فهاهي الثياب تأتيهم بأناقتها إلى بلادنا ولا تفصل بين لعابهم الفكريّ وإرتدائها إلا واجهة الزجاج والسعر، ومن الطبيعي أنه يحق لأيام العيد ما لا يحق لغير الأيام، فإذا إشترينا الملابس والماكولات والمشروبات بأغلى الأسعار، نستتر وراء جملة لا نخجل من ترددها “بس هيدا عيد ما بيجي غير مرّة بالسنة”، طبعاً أنا مع هذه المقولة وأعيشها ايضاً، لأن العيد لا يأتي سوى مرّة واحدة بالسنة.
طبعاً لا يحلو العيد إلا بهداياه، وألعابه، ومفاجآته التي ننتظرها بفارغ الصبر، كالأطفال الذين تراهم يلهثون من كثرة الإلحاح على أهلهم لشراء شيءٍ أعجبهم، ومن أخطر الهدايا تلك التي يشتريها الأهل لأطفالهم الذكور، والتي تؤكد ذكوريتهم، فيسارعون إلى تعزيزها في نفوس أطفالهم، بمجرد شرائها لهم وتشجيعهم على إستعمالها ولو مزاحا، فماهو معتمد في لبنان بغالبية الفكر، أن ما يمكن أن نهديه للأطفال الذكور في مرحلة نموّهم هي الأسلحة البلاستيكيّة والمعسكرات، لكي تثبت رجوليّة الذكر، ونبعدهم عن ألعاب الفتيات، خوفاً من النتائج التي نحن بغنى عنها عند الكبر، فنشتري له الكلاشنكوف وال M16 والدبابات والعسكر، ونساعده على بناء معسكره ونزوّده بالطرق العسكريّة التي ورثناها من الأفلام التي نشاهدها يومياً أو من بعض الرواسب الخطيرة التي تركتها في أذهاننا وعقولنا الحرب الأهلية الأخيرة التي فتكت بمجتمعنا ووطنا، و”نزيد الطين بلّه” عندما يكون الربّ قد رزقنا بذكرين أو أكثر، ولا يهم إختلاف العمر فيما بينهم، فنشتري لكل واحد منهم أسلحته وذخائره، ونعيّشهم تجربة الحروب والقتال وشريعة الغاب بالبقاء للأقوى والأكثر حظاً، فترى الإخوة يتقاتلون بالمنزل قتال الشوارع، فلكل “بطل” غرفة هي مركزه، وللغرف الأخرى إلتزاماتها، كغرفة العمليات والمخططات، ومع أساسات المنزل الضروريّة نكون قد أمنّا للأطفال إحتياجاتهم العسكرية، فماذا أهم من “الطنجرة” كواقي للرأس من القنابل ؟؟ وما أهم من الهاتف لغرفة الإتصالات ؟؟ وما هو أهم من الراديو لإرسال الإحداثيات ؟؟ وتزيد اللعبة جمالاً وترفيهاً عندما يشارك أولاد الجيران والأقارب، فالفريق يكبر والتقسيمات تتوزع والمهام تصبح أسهل، فلكل مهمته، والخطر يزداد، فهذه التربية والنشأة تعشعش في عقول الأطفال الأساليب العسكرية التي يبتكرونها ببراءتهم، فيتوارثونها حتى الكبر، وماذا نذكر في شبابنا غير أيام الطفولة، بحلوها ومرّها ؟؟
والأسوأ، عندما نعيش التفرقة عند الكبر، ونتذكر إنتصاراتنا وهزائمنا الخياليّة، والخطر الأكبر، عندما تسيطر لغة السلاح على الحوار –تماماً كما حدث في السابع من أيار 2008- فالذي هزم مراراً وتكراراً في صغره سينتقم اليوم، محوّلاً إنهزامه الوهميّ على جاره وصديق طفولته إلى إنتصار حقيقي كبير مرصّع بالشرف مكلل بالدماء، ناسفاً كل ضحكاتهم وعراكهم البريء في الصغر، ونقف نحن الذين قدمنا هذه الهدايا في الصغر مدهوشين نسأل، لماذا يتقاتلون، ألم تعلّمهم التجارب ؟؟ ألم يذهبوا يوماً معنا لنضع وردة بيضاء على مقبرة شهدائنا الذين سقطوا في معركة الوجود إبّان الحرب الأهليّة ؟؟ ولكن، يبقى الجواب مخبّأ بين طيّات النكران بأننا السبب لهذه الأحداث من قريبها وبعيدها، يمكن ألا نكون السبب الأساسي، ولكننا المسبب المرسخ لهذه العقلية عند الصغر، وصدق من قال، “العلم في الصغر كالنقش في الحجر”، وهل نستطيع أن نمحي النقوش التي نقشت على جدران مخيلة أطفالنا في الصغر وخاصةً إذا نقشت برصاصٍ وهميّ خلال حربٍ كاذبة لعبها أطفالنا وأولاد جيراننا عصر يوم أحد ؟؟!!
يقول “محمد الكردي” ( 17 سنة ) – طرابلس: “في صغري وحتى الآن أعشق هذه الألعاب لأنني أشعر أن هذه الألعاب تعبر عن شيء في داخلي، فلدي هذه النزعة القتاليّة وأعشق أفلام الأكشن”، ويضيف: “مع ظهور ما يسمّى بالقتال الخلّبي، فنستعمل البويا بدل الرصاص في حرب ملوّنة، فتح أمامنا أبواب كبيرة لنعبّر عن ما في داخلنا، ولكن أريد أن ألفت نظرك إلى أنني أكره القتال الحقيقي بين الأفرقاء اللبنانيين، تماما كما حدث في السابع من أيار، وأشرع القتال مع العدو ليس أكثر”، ويقول “عامر درويش” ( 22 سنة ): في الصغر لطالما تملّكت جيوش بلاستيكيّة، وتفننت بحروبي مع رفاقي في تلك الحقبة مستنداً لكتاب التاريخ الذي درسنا فيه حروب نابليون والغزو التتاري، ولكن عندما وصلت لمرحلة النضج تخلصت من هذه الألعاب، وأنا اليوم على قناعة أن العنف لا يولد سوى العنف”.
“أبو ناجي“، بائع ألعاب في منطقة “باب التبانة – طرابلس” المنطقة التي شهدت نزاع في الآونة الأخيرة دام أكثر من 6 أشهر، يقول: “إنني أبيع كميات كبيرة من هذه الألعاب من باب الترفيه، وأرى أن الأطفال يستعملونها في حروب وقتال وهميّة في الأزقة، تماماً كما شاهدوا أهاليهم يقاتلون في النزاع الأخير بين “باب التبانة – جبل محسن”، وأنا هدفي من البيع ليس إلا لأجل لقمة العيش الكريم، وأنا أحذر الأطفال عند شرائها من بعض المخاطر، إلا أن مثلي أمثال من يبيع الأسلحة، والحمد لله أنها بلاستيكيّة، فالبائع الأكبر قدرة منّي يبيع الأسلحة القاتلة للشعب”.
وأخيراً، بعض اللوم وبعض الحذر، أزفّه على كل من يقرأ هذا المقال، طالباً منه جلسة مصارحة صغيرة بينه وبين نفسه، هل يحق لنا أن نشارك في صنع الحروب والنزاعات بهذه الطريقة اللاإراديّة ؟؟ هل نسمح لنفسنا أن نكون في نفس الخندق مع الأحزاب والأطراف التي سلّحت شبابنا وهيّجتهم على الإقتتال الداخلي ؟؟ كم دمعة أمّ زرفت ؟ كم حرقة قلبٍ حرقت ؟؟ كم قطرة دمٍ هدرت ؟؟ ولا زلنا حتى يومنا نسلح أطفالنا بالسلاح البلاستيكية الذي لا يضر في الوقت الحالي إنما يفتك في مجتمعنا فيما بعد …
نشرته جريدة حبر لبناني الشهريّة في عددها الرابع







مونتيسكيو: "أختلف معك كليا في الرأي .. و لكني أقاتل و ابذل الدماء من أجل ضمان حريتك في التعبير عن رأيك"



