
نعتذر منك أيها المتضامن الإيطالي
متى تلمست الخرائط لا بدّ لجفنك إلا وأن يرفّ باحثاً عن إلتقاء خطوط الطول والعرض فيها، إنها الوجهة والبوصلة، تعبر المحيطات للوصول إلى أزقتها الضيّقة، تخرج أصوات مركّزة من بين شقوق جدران أبنيتها الحجرية القديمة، تخبرك قصص الأجداد الذين مرّوا من هنا، تخبرك عن رسّامٍ بقي لسنوات يجلد برسوماته حكام العرب المتواطئين مع الصهيونيّة طوراً، والصهاينة وجيشهم الأرعن تارةًً، ومتى أمعن بقراءة رسوماته وأكتشف أنه من الواجب نقل فوّهة ريشته من الخارج إلى الداخل، لنقد التجاوزات والأخطاء التي كان ترتكب من قبل المنظمة الحاكمة آنذاك، أردوه برصاصات صديقة، إستقرت إحداهن تحت عينه كانت كافية لإدخاله في غيبوبة الموت. هو القائل: “اللي بدو يكتب عن فلسطين واللي بدو يرسم لفلسطين بدو يعرف حاله ميت ..”، عندها عرف “ناجي العلي” بأن ايامه أصبحت معدودة.
الراديكالية الفكرية، المتمثلة بالأوحديّة الرافضة للتعدديّة، هي التي أردت بالرسام ناجي العلي آن ذاك، وهي التي حضّرت الأرضية الحاضنة للجماعات الأصوليّة التي تضيّق الخناق اليوم على أهالي غزّة، فالحصار أصبح مزدوجاً، الأول من قبل العدوّ الإسرائيلي والثاني من قبل أهل الأرض، حكام القطاع اليوم، الفلسطينيون الذين يفرضون حكم الديكتاتورية الرجعية تحت زريعة الحكم الإسلامي، يضيقون الخناق على المثقفين هناك، يمنعوهم من التحضير لمهرجان يوم الأرض، ويغلقون المطاعم التي تقدم برامج موسيقيّة، يعتدون على الصحافيين الذين ينقلون الأحداث من داخل القطاع إلى خارجه، يريدونه سجناً صغيراً داخل السجن الكبير الذي فرضه العالم على فلسطين.

إعدام إمرأة أمام أعين الناس - أفغانستان
عادت فلسطين عاصمة الثقافة إلى العصر الجاهلي، فالنساء المذنبات ترجمن بالحجارة بدل أن يرجم الجنود والدبابات الإسرائيليّة بها، وتمنع تلك الفتاة الغزاويّة من الضحك بصوت مرتفع، وتخنق إذا نفثت سجائرها في العلن، ويبقى السوط سيّد المواقف، إنها نسخة منقحة عن حكم طالبان لأفغانستان، نساء متشحات بالسواد من الرأس حتى أخمص القدمين رغماً عن أنوفهن، مكدسات في صناديقٍ داخل حرم البيت، لا وظائف شاغرة لهن، ولا ينعمن بحياة خارج مقابرهن -بيوتهن-، هذا ما رسمه جنود الجاهليّة الأولى الذين إحتكروا حكم القطاع للغزاويين والغزاويات.
رجالٌ تعفّ من أدمغتهم رائحة الذكوريّة، القمعية، الديكتاتورية، الجاهليّة، رجالٌ إقترفت أيديهم الخطيئة فقتلت “جوليانو مير خميس” على مسرح الحريّة بإسم الدين والولاء المطلق لله، رائحة التصعب السلفي الرافض للإنفتاح وتقبل الآخر كانت تحوم حول جثّته ، لم يخفي اللثام هوية القاتل، الطريقة نفسها، وكأن المقاومة محصورة على فئة معينة أو بنهج معين، ألم يقاوم غسان كنفاني بقلمه؟ ألم تكن مقاومة فكرية؟ ألا يعتبر المسرحيون والكتاب والشعراء والمثقفون الذين يسطرون تاريخ المقاومة الفلسطينية مقاومون؟ أليس شأنهم كشأن الذين يركبون المدافع ويحملون البنادق على أكتافهم؟ إن المقاومة الفكرية والثقافية أشدّ فتكاً من المقاومة المسلحة، إنها ترسم تاريخاً لأجيالٍ لم تلد بعد، إنها تحافظ على تراث يحاول العدو الغاصب كل صباح أن يمحو حرفاً من أسطره، إنها تخلّد في أذهان الأجيال فكر قومٍ يرزخ تحت الحصار منذ ستين عاماً ولا زال يقاوم، إنها تستطر ملامح المقاومين على أوراق التوت التي من المفترض أن تعري الغزات وتفضح العملاء.

RIP Vittorio Arrigoni
إستيقظنا صبيحة ذاك اليوم ككل العرب، نركض من الفراش إلى شاشة التلفاز لهثاً لنسمع خبراً يرفع من معنوياتنا، يخفف من الفكر الإنهزامي الذي يعترينا من الأسفل إلى الأعلى، أفجعنا الخبر، وأوجعنا السبب. الأول كان خبر شنق الناشط والصحافي الإيطالي “فيتوريو أريغوني” على يدّ مجموعة سلفية في قطاع غزّة تطلق على نفسها إسم “سرية الصحابي الهمام محمد بن مسلمة”، وتجدر الإشارة أن “فيتوريو” دخل غزّة على متن إحدى السفن التي كسرت الحصار الإسرائيلي في العام 2008 وبقي على أرضها منتظراً الموت في سبيل القضيّة التي آمن بها فوشم على ساعده نهجها. والثاني والذي يعتبر أشد ألماً هو سبب القتل، في الظاهر نشرت الصحف المحليّة والعالميّة أن سبب شنق الناشط والصحافي الإيطالي ينضوي تحت عملية نوعية كان الهدف منها الضغط على حكومة غزة للإفراج عن جميع معتقلي الحركة السلفيّة وفي مقدمهم هشام السعيدني المعروف باسم “أبو الوليد المقدسي” (نقلاً عن جريدة الأخبار اللبنانية)، ويبقى السؤال الذي يلوح في الأفق، هل مسموح أن يزجّ ناشط غربي ترك بلاده إيماناً منه بحق أصحاب الأرض في صراع أخوي داخل القطاع فيسقط ضحية الحكم الجاحف لاصحاب الأرض؟ وهل يدخل في عقل بشري يقاتل في صفوف حزب أسس على خلفية قتال الغزاة لدحرهم عن أرضه أن يأخذ رفيقه في أرض المعركة كرهينة للوصول إلى مبتغاه الشخصي؟ أليس أجدر على هذا التنظيم السلفي المعصوب العينين الذي يعمل تحت راية فلسطين أن يخطف الجنود الإسرايليين ويفاوض على إخراج الآلاف من إخوانه المعتقلين في سجون العدو بدل خطف نظيره والدخول في وحول المفاوضات الفئوية؟
الحكم الهمجي تحت غطاء الشريعة الإسلامية
أسئلة تبقى مجرد أسئلة في ظل حكم شريعة الغاب في القطاع وغياب حكم الله بكتابه وشرائعه، ويبقى القتلة ينحصرون بين حماس والأصولية والسلفية والفصائل الفلسطينية والعدو الإسرائلي وأعوانه من العرب وإتفاق كامب ديفيد وحسني مبارك وأنور السادات ومعمّر القذافي، ونبقى نحن الذين نطلق الأحكام على هؤلاء على أننا شرفاء لم ولن نرتكب هذه الجريمة يوماً، ولم ندرك أننا نحن من مهّدنا لها متى نسينا وأضعنا البوصلة، وإنصرفنا نلهث وراء الفتات التي رموها الغزاة لنا، نسينا رائحة الزيتون والصابون بين الأزقة القديمة للقدس، نسينا الشعر المرسوم على جدران المباني، نسينا أننا أصحاب هذه الأرض، نسينا أننا أصحاب الحق والأكثرية.
————————–
صور من تشييع أريغوني















مونتيسكيو: "أختلف معك كليا في الرأي .. و لكني أقاتل و ابذل الدماء من أجل ضمان حريتك في التعبير عن رأيك"




أريغوني يا بطل! نعشك هو النعش الوحيد الذي يستحق ان يلف بعلم فلسطيننا الحبيبة..وكما وشمت على ساعدك كلمة المقاومة وإعتمدتها نهجاً في حياتك..سنحفر إسمك في ذاكرتنا وستكون دوماً شاهدا على جهل وظلم وتآمر بعض الفلسطيننين السلفيين الجاهليين على قدسنا
مؤلم ما حدث لهذا البطل الايطالي …
كان يعتبره اهالي غزة بأته فليسطيني أكثر من انه صديق لهم
عاش بينهم كأنه واحد منهم وخاصة بأنه كان يساعد الصيادين ليكسروا الحصار
سيظل بطل رغم أنه قتل على يد جهلة, كما ستظل راشيل كوري التي قتلت على يد الأحتلال بطلة
عزيزتي علياء
أقدر مشاعرك وكلنا حزن وألم على أريغوني ونفخر بأن يلف بالعلم الفلسطيني، ولكن علينا أن نعترف ان هناك الكثيرين من المناضلين والمناضلات ممن قدموا لهذا الوطن وهذه القضية الكثير والكثير وهم أيضاً يستحقون وبجدارة ان يلفوا بالعلم الفلسطيني وليس اريغوني فقط. وأكرر اعتذاري لفيتوريو وكل المتضامنين مع الشعب الفلسطيني وأؤكد ان فيتوريو سيبقى فينا
العزيزة فاتن،
لم اكن أبداً بوارد المزايدة على دماء الشهداء والشهيدات الذين واللواتي قدموا وقدمن أرواحهم وأرواحهن فداءً للقضية منذ نشوء هذا الكيان الغاصب…ولكن لا يمكن إلا ان أقدر هذا الرجل الإيطالي (غير العربي) الذي ترك اهله وقدم إلى أرض فلسطين للدفاع عن أهلها والذي لم يفكر أيداً بجنسية ودين هذا الشعب الذي يدافع عنه بقدر ما فكر بمظلومية هذا الشعب واحقيته بإستعادة أرضه، بعكس هؤلاء الجبناء الذين قاموا بقتله.
وبالتالي تبقى للشهيد أريغوني خصوصية نابعة من الخلفية والبلد الذي أتى منه، ولكن ذلك لا يلغي بتاتاً دور كل يدافع بالكلمة والموقف والسلاح عن قدسنا الحبيبة.
لم أعتقد يوما ان إيطاليا و فلسطين سيشيعون بطلا واحدا، دائما تتناول الامور من زاوية مميزة شكرا لك
مقال أكثر من رائع وأنا سعيد أني بشوف هيك ردات فعل على اغتيال هذا المناضل.
بفتكر يوم ما مات في صديق حط بوست “الله يرحمو ” وكان في شي ثلاثين كومنت معارضين ، يعني كيف بنترحم على واحد كافر!!
كان شي بحزن انو بتشوف الناس مركزة بسفاسف الأمور …
لا شيء يستر عورتنا، لا شيء يغفر بشاعة هذه الجريمة، لا عار أشدّ
الكلمات ثقيلة ولساني لا يطاوعني
أنا آسف أيّها العالم.
جريمة أخرى من جرائم الظلامية، الظلامية مؤلمة ايلام الموت ويا للمأساة أن تكون نهاية مناضل يحيا لقضيتنا بهذا الشكل المخزي لنا.. الرحمة لروحك اريغوني والنصر لقضيتك والى ذلك الموعد لنا أن نحلم بفجر يمزق أغشية الظلام اللزجة.