يقف المسافرون بانتظام امام شباك التذاكر الوهميّ، الكل ينتظر دوره كي يحصل على تذكرته. أعلنت ادارة المترو ان موعد الانطلاق في تمام الساعة 10.15 دقيقة ليلاً. التذكرة عبارة عن كأس خمرٍ مدّعمة لأولئك الذين يخافون من ركوب المترو. هناك مقولة تؤكد أن الثمالة تخفف عنك تأثير الفوبيا. في الصف الممتد على شكل بار يقف شبابٌ وشيبٌ بانتظار موعد الانطلاق. مترو المدينة سينطلق بجولته السريعة حول العالم لستة ساعات، على أن يعود إلى بيروت في تمام الساعة 4.15 دقيقة.
داخل المقطورة الحمراء التي لا تشبه غيرها من المقطورات، توزعت طاولات وكراسي بشكل منتظم، وتحرك بينها بعض الفتيات والشبان الذين تنقلوا بحرفية وتنظيم لتأمين راحة الحضور خلال السهرة، ليتكلّف بعدها “هشام جابر” إمتاعك بعرضه.
الصورة تتضح أكثر. المترو الذي ركبته لا يتحرك، بل حواسك الخمس ستتحرك تزامناً مع الفرق والعروض التي ستشاهدها. يرحب جابر بركاب المترو بعد أن فتح “البرادي” على جميع الحاضرين. يقف بقامته الممشوقة و”لوكه” المميّز أمامك، على مسرح زرع عنوة داخل مقطورة المترو لإمتاع الحاضرين في هذه القاعة فقط.
المحطة الأولى في أميركا، موسيقى الجاز التي إكتشفها الأميركيون أصحاب البشرة السمراء منتصف القرن التاسع عشر، أربعة لاعبي موسيقى موزعين بين عازفي غيتار وعازف كيبورد وعازف درامبز. سافرت بنا الفرقة عبر نغماتها الى الصراع العرقي الذي خاضه أصحاب هذه الموسيقى في نضالهم رفضا للعنصرية العرقية التي مارسها البيض عليهم في تلك الأيام في الولايات المتحدة الأميركية. من غرب الكرة الأرضية إلى المشرق العربي، وتحديداً إلى لبنان، حيث عبرنا عن اشتياقنا للضيعة وأخبار أهلها وعلى بسمة لبنان وترحيبة أهلا وسهلا.
قدّم جابر مجموعة من الأغاني التي ركّبت على الحان الفتها آذاننا، فقدم “شانسونيه” مميزة برع من خلالها باظهار مهاراته في الرقص والحركات والأداء على المسرح. من المشرق العربي جنوباً نحو الخليج العربي مع شخصية “حناش”، الرجل الذي يمضي نهاره مع النساء داخل خيمته في الصحراء، وما ان اختفت النساء من الخيمة حتى استبدلهن بماشيته، اسلوب ساخر وناقد لحياة الخليجي.
أعلنت المضيفة عبر مكبر الصوت أن المرحلة الأولى من الرحلة انتهت، جميع الركاب ترجلوا من مقاعدهم لقضاء حاجة أو إضافة الخمرة إلى كؤؤسهم، الوسيلة الفضلى للتخفيف من تأثير الفوبيا. دقائق وننطلق، من المشرق العربي إلى جنوب أميركا، إلى بلد البن وكرة القدم والسامبا، راقصتان نقلتا عبر حركاتهما الراقصة أجواء شوارع “ريو دي جينيرو” النابضة بالحياة والموسيقى والرقص. الريش يزيّن جسديهما العري نوعاً ما، قدمتا بعض المشاهد والرقصات التي تقدم في أكبر كرنفالات العالم، ساعدهما قارعا طبول في محاولة لضبط حركاتهما.
من جنوب القارة شمال الى الولايات المتحدة الأميركية، “أليسا” التي قدّمت أجمل الأغاني الأجنبية، من أغاني الراحلة “امي واين هاوس” إلى اغاني المغنية المثيرة للجدل “ليدي غاغا” وغيرها من الأغاني التي اشتهرت في السنوات الاخيرة، الأجواء مميزة ورائعة، العرض يستهدف جميع فئات المجتمع. من الاغاني والرقص إلى الستاند آب كوميدي مع “روبيرتو قبرصلي” الشخصية اللبنانية الساخرة، التي تناقش الأوضاع الاجتماعية السياسية التي تشغل اللبنانيين، قبرصلي لم “يفلت” أحد من لسانه.
الساعة تقارب الثانية بعد منتصف الليل، بقي على رحلتنا ساعتين أو أقل، الميترو في طريقه عائد من القارة الأميركية إلى شارع الحمرا، وتحديداً إلى مكان الانطلاق، مقهى الميترو المزروع تحت مبنى السارولا. في طريق العودة، جرعة أخيرة من الموسيقى مع منسق الأغاني، إرتشفنا ما استطعنا من الموسيقى المعاصرة والتقليدية والسريعة والكلاسيكية في هذه الليلة، لا سيما مع العرض الغجري الذي قدمته عازفة الكمنجة وعازف الأكورديون، رحلة قصيرة لدقائق مع هذا المجتمع الفوضوي الذي يقتات من الموسيقى ويشرع قانونه منها. كل هذه العروض موجودة في “كاباريه” المدينة، رحلتك إلى الموسيقى والضحك، مع هشام جابر المبدع الذي رسم ملامح هذا العرض وقدمه على شكل باقة لجميع فئات المجتمع.















مونتيسكيو: "أختلف معك كليا في الرأي .. و لكني أقاتل و ابذل الدماء من أجل ضمان حريتك في التعبير عن رأيك"



