“خلف الحدود. صوت القصف يعلو ويهبط في انتظام تزامناً مع حركة صدر طفلٍ يحاول النجاة ليرى فجر الحرية في البعيد. شبح الموت يسيطر على الأزقة، رائحة البارود تعانق عرق الثوار الذين لم يهدأوا منذ عقود. محطات التلفاز لم تستطع تحمل بشاعة المنظر، فقررت ان تلهينا ببعض المسلسلات التركية وتحجب عنا دراما الثورة وكوميديا الاعلام الموالي.
هنا، على هذه النقطة بالذات، قررت مدفعية الاجرام ان تشطب سجلّ عائلة بأكملها، قوامها خمسون شخصاً. تاريخهم متأصّل في أرضهم أكثر من الحاكم. إبان الاستعمار قدمت هذه العائلة الشهداء لأجل الاستقلال. أحدهم كان يرفع ذاك العلم الذي يحاصر خضاره وسواده النجوم، انه طفلٌ لم يتجاوز العاشرة من العمر، قرر ان يقلّد صورة زرعت في دار المنزل، لم يستطع ان يحدد ألوان علمها لِقِدمها وانعدام الالون فيها، كل ما تمكن من معرفته ان هذا العلم هو نفسه العلم الذي يرفعه جدّ جدّه في الصورة المعلّقة والتي يعود عمرها إلى عهد الاستقلال.
لم تستطع أصوات المجنزرات ولا قعقعة البواريد أن تصمد أمام عويل الأمهات، حتى تكبيرات المساجد وأجراس الكنائس. جميع الأصوات خرّت أمام وجع العويل. صدى الصوت يتردد كالضمير في الأجواء. الصرخة بعشرة صرخات. والنسوة لم ينقطعن عن الصراخ. هيستيريا تهزّ كيان الكائنات بعد أن هزّتها دكات المدافع. الموت يرخي بثقله ويجعل من أجساد الناس معبراً لكبرياء الديكتاتور.
منذ ساعات الصباح الأولى، مشت الجثث على أكتاف ما بقي من الأحياء. نحيبٌ وصراخ وأهازيج. عرس الشهيد بألف عرسٍ. السماء تفتتت وسقطت على نعوشهم كأنها حبات أرزٍ. الشمس سمّرت وجوههم وصبغتها بالأحمر الدموّي. ابتسامة طفلٍ ينتظر مثواه الأخير ترتسم خلف غيمةٍ رماديّة، وجه الطاغية وضحكاته البالية تحاول خطف صفاء السماء. إرادة المشيعيين لم تسقط بالأمس، سيُوصلون الجثث إلى حفر الخلود ويعودون إلى أرض المعركة، سلاحهم حناجرهم وبعض الشعارات التي هزّت كيان العالم أجمع.
على باب الدار الملاصق لدار العائلة التي إنسحبت من سجلّ العائلات بالأمس، تجلس عجوز القرفصاء، تضم ركبتيها إلى صدرها، ربما تحاول ان تتذكر غمرتها لطفلها قبل ان تسجل اسمه على دفتر تاريخ المجد، أنين الحزن يخرج من بين تفسخات جلدها، تجاعيد الألم تتقلص على عضلات الوجنتين، لا تستطيع ان تبتسم، تحاول جاهدة، العضل اتخذ موضع الحزن، طرفيّ فمها مسدلين نحو الارض مع ارتفاعة بسيطة في الوسط، تستطيع ان تثقل العالم بحزنها. نبشوا مقابر الأسلاف، إن نبش المقابر والعبث بمحتواها هي علامات انسحاب الأرض من تحت أقدام الطاغية.”
أغلقت أمي كتاب قصص الأطفال، طبعت قبلتها المسائية على جبيني، غادرت فراشي ووقفت على باب الغرفة، في يسارها كتاب القصص ويمينها على مفتاح النور، تمنت لي أحلاماً سعيدة وانسحبت في عتمة الغرفة، كانت ليلة أحد من العام 1990.














مونتيسكيو: "أختلف معك كليا في الرأي .. و لكني أقاتل و ابذل الدماء من أجل ضمان حريتك في التعبير عن رأيك"




عميق و صادق و صادم. برافو
ما أشبه اليوم بالأمس … للأسف …
روعة
جيدة سليم : )
عفكرة طلع العدد الرابع من اسكندرية-415 من زماااان بس معش عم بقدر اكتب هونيك هالفترة عاجقة علينا