دخلنا بالأمس إلى مسرح المدينة وفي بالنا أن نشاهد المسرحيّة ذات النص ذائع الصيت منذ عقود. مسرحية بكل ما للكلمة من معنى لا سيما من ناحية الديكور، والهرج والمرج الذي تشهده المسرحيات، ناهيك عن الموسيقى والأغاني وتقلب الأدوار. لحظة دخولنا إلى قاعة العرض، تفاجأنا بأن المسرح فارغ، لا ديكور يزينه، ولا أبراج عالية، ولا حتى مكبرات صوت على جوانب الخشبة. الضوء خافت. الاعلانات الموزعة على امتداد شوارع المدينة تؤكد أن المسرحية قائمة على شخصيتين، في الصورة يظهر شخصان، الأول ضاعت تكاوين وجهه بفعل تمزّق الصورة والثاني فتاة تمدّ لسانها للذي ينظر إليها، وذيّلت الصورة بكلمة “الديكتاتور” وألحقت بإسمين عريقين في تاريخ المسرح والدراما اللبنانية، الممثلة عايدة صبرا والممثلة جوليا قصار، اثنتان من أهم الأساتذة الجامعيين المسرحيين في لبنان.
الصورة تتضح ببطء تزامناً مع اتساع بقعة الضوء المسلطة على خشبة المسرح الفقير الخالي من كل شيء الا من مرآتين وستة مكعبات بيض وزّعوا بعشوائية مزدوجة في ثلاث مواطن، على المرآة اليمينية تقف قصار وكانت قد ارتدت سترة تشبه تلك السترات التي ارتداها جنرالات السبعينيات، الا انها لم تكن عسكرية ولم يطغى عليها الأوسمة والنياشين، كانت سترة سوداء عادية لو رأيتها خارج اطار مسرحية “الديكتاتور” لما لفتك تصميمها. على المرآة اليسارية، تقف صبرا بثيابها البالية داعماً اساسياً لغطرسة الجنرال (قصار) وجنون عظمته. النص كتب لرجُلين، الا ان قصار وصبرا تمردتا على الذكورية وجسدتا هذا الدور، في محاولة منهما لتعرية الديكتاتور ومرضه انطلاقاً من جسد امرأة، وفي مقاربة أخرى لإظهار قدرة المرأة على ان تكون ديكتاتورية في بعض المواطن، ولأجل ذلك على امتداد المسرحية ترى ان الحوار قائم على أساس الخطاب المذكر وليس المؤنث.
سعدون (صبرا) هو المرآة التأكيدية لشخصية الجنرال الديكتاتور، يدعمه معنوياً متى تخاذلت معنوياته، يحميه ويساهم في تعزيز غطرسته ومرض العظمة المتجذر في دماغه، هو الخادم الوفيّ الذي يصل في بعض الأحيان ليكون كالكلب في وفائه، وهذا ما تظهره صبرا في بعض الأماكن وتحديداً لحظة انتظارها قطعة الشوكولاته (المكافأة) بعد تأكيدها على أن الجنرال عظيم وأنه هو الحاكم الأفضل للبلاد.
النص كتبه الشاعر والكاتب المسرحي عصام محفوظ في ستينيات القرن الماضي، وتحديداً عام 1968، وعرفت المسرحية عند تأليفها بإسم الجنرال، الا ان الرقابة طلبت من محفوظ ان لا يدين برتبة الجنرال فاستبدل إسم الجنرال بالديكتاتور، وقال محفوظ في هذا الخصوص حينها: “نزعت عن الجنرال الصفة العسكرية .. لأن هناك أكثر من ديكتاتور مدني حاكم في العالم، على الأخص في العالم الثالث”. يعتبر محفوظ من أبرز مؤسسي الحركة المسرحية الحديثة في لبنان، ولد في جديدة مرجعيون بلبنان، درس في مدارس مرجعيون وحصل على دبلوم دراسات عليا من معهد الدراسات العليا بباريس في فرنسا. إلتحق باكراً بحركة مجلة شعر ثم هجر الشعر موقتاً ليكتب للمسرح، عمل في الصحافة مدة ثلاثين عام، درّس التأليف المسرحي في الجامعة اللبنانية ، قبل ان يرحل في العام 2006.
الجنرال، يقود ثورته المجيدة “برأيه”، من داخل غرفة، يعاونه سعدون الخدوم، يرد على مكالماته الهاتفية، يكتب له التقارير وفرمانات البطش، ينقل الأوامر من فمه إلى عسكره ومقاتليه في الميدان، يحدد له على الخريطة المناطق التي سقطت، يخبره بأنه هو الحاكم الصالح وأنه هو الأجمل، صراع كبير يعيشه الجنرال في خياله مع شخص الملك، فيحاول سعدون على امتداد دقائق المسرحية أن يظهر تفوّق الجنرال على الملك حتى في جماله وطوله و”غميزاته”. الجنرال يقود الانقلاب الذي يعتبره ثورة ضد حكم الملك، يطارده من مكان إلى مكان. يعري محفوظ في هذه المسرحية، طمع الديكتاتور والحاكم بشكل عام، الذي ما ان يصل إلى السلطة حتى ينسى انه من الشعب، وينفرد بالسلطة ويحاول ان يتخلص من جميع الذين يقفون بوجهة انطلاقاً من مقولة “أنا أو لا أحد”. الجنرال واثناء ملاحقته للملك بعد أن سقطت العاصمة بيد الثوار، يحاول بأقصى جهده أن يسقط عن المملكة الرأي الآخر، ومن لا يستجب فليعدم، فنفي الأدب والصحافة، وحوكم العدل بتهمة العدل، ووقع الشعب على الولاء بنسبة 99.99 %.
الجنرال أو الديكتاتور، ذاك الانسان المضطرب عقلياً، المتوهم بأنه المنقذ للبشرية التي تنتظر وصوله من خلف البحار عابراً بثورته لتحرير البشر من قمع الملك والرضوخ لقمعه واضطرابه، يرتدي في رجله اليسرى جزمة إمرأة ويترك اليمنى عارية، تراه غير متزن في الكثير من الاوقات، لا سيما ان محفوظ حاول ان يقارن عقله المضطرب وغير المتزن بانعدام الاتزان في مشيته بفعل ارتفال طول كعب الجزمة في الرجل اليمنى، فتراه وكأنه أعرج.
سعدون، الخادم الأمين، الذي يتطابق دوره مع قصة الأميرة والمرآة التي تتكلم وتخبر أميرتها القبيحة بأنها أجمل الاميرات، يقضي وقته مع الجنرال التي اتخذها غرفة لعملياته، ولكي يختفي في الوقت عينه عن أعين الشعب الذي يشتمه، يساعده في تحويل المكعبات الست، تارة على شكل كرسي العرش، وطوراً على شكل سرير، يعلنه الجنرال أنه هو الملك، ويقنعه ذو العقل المضطرب بأنه هو الملك، جل ما كان يريده هو أن يشاهد سقوط الملك امام عينيه، وهو السجين في داخل الغرفة، يتمرد سعدون “الملك” على الجنرال، تتبدل الأدوار، يأمره بأن يلمّع له جزمته بعد أن حكم عليه بالاعدام، يلبيّ الجنرال الرغبة المقدسة للمحكوم، قبل أن يفتح يديه ويصلب نفسه أمام عنجهية وغطرسة الديكتاتور. تتقلص الاضواء بشكل حزين، قبل أن يختفي الجنرال وسعدون في عتمة البطش.
- العرض مستمر لغاية الرابع من آذار، إخراج وسينوغرافيا “لينا أبيض”، انتاج مؤسسة “8 ونص”.







مونتيسكيو: "أختلف معك كليا في الرأي .. و لكني أقاتل و ابذل الدماء من أجل ضمان حريتك في التعبير عن رأيك"



