“باب التبانة” قنبلة موقوتة زرعت تحت خطّ الفقر العالمي


على امتداد السوق الضيّق، تتوزع “بسطات” الخضار والفواكه والحلويات وبائعو اللحوم والألبان والأجبان. من هنا، تشتري كل ما تحتاج إليه. صوت بائع خضار يعلو منادياً على الزبائن للاقتراب والتبضّع، عروضات ومزايدات في عمليةٍ تجاريةٍ بسيطة، كل ما يهدف إليه هؤلاء الباعة هو تصريف بضاعتهم قبل حلول المساء. “حمرة وزغتورة يا بندورة”، “صابيع الببو يا خيار” يصرخ أحد الباعة، عاصفة من الصراخ المنتظم تؤكد أنك وسط سوقٍ شعبيّ، كل طبقات المجتمع تجتمع هنا، ولكل مقامٍ “بضاعته”. تختفي اصوات الباعة تزامناً مع تكبيرات المساجد المعلنة وقت الصلاة، دقائق معدودة وتعود عاصفة الصراخ، هذه حال الباعة. تحت إحدى “بسطات” الخضار، تجلس امرأة القرفصاء، تنتظر بلهفٍ ما سيرميه صاحب “البسطة” على يمينها قطّة، تنتظر بنفس الشغف ما سيرميه الجزار، صاحب البسطة الملاصقة لبائع الخضار. ترفع عينيك قليلاً، بائع الخضرة يفرز بضاعته إلى قسمين بحسب نضوجها، والحبات التالفة مصيرها تحت الطاولة، اي بين يدي المرأة. لم ينتبه صاحب البسطة لتلك الإمرأة، الحياة أيضاً لم تعر هذه الإمرأة اهتماماً، قذفتها إلى الحضيض. قصة ما أوصلت هذه المرأة إلى هذه الزاوية. حال عوائل كثر مثل حالها، خصوصاً ان خط الفقر في المنطقة أصبح الأعلى ضمن المناطق اللبنانية. صوت رصاصٍ يعلو فوق أصوات الباعة، تختفي الأصوات فجأة، تتوقف دورة الحياة للحظة، تخال نفسك أنك في فيلمٍ وقد تمّ ضغط زرّ التوقيف. الكل مترقّب، يتجدد صوت الرصاص، تتحرك الحياة ببطء. تتسابق الرصاصات في الفضاء، تتحرك الحياة بوتيرة أسرع. حالة هيستيريا تضرب السوق، الزبائن يتدافعون هرباً نحو المخارج، اصحاب البسطات يحاولون لملمة ما طالته أيديهم. يحاول المتسولون اقتناص الفرصة وسلب بعض البضاعة من على البسطات ومن يدي الزبائن. هدوءٌ ثقيل يضرب السوق. لم يبقَ أحد هنا، الكل هرب.

هذه هي الحال في سوق الخضار في منطقة “باب التبانة”، حالة عدم استقرار تضرب طوقاً امنياً على المنطقة، وبفعل تواجد “جبل محسن” جغرافياً بشكل متلاصق مع السوق، جعل من الأمور تزداد تعقيداً، لا سيما وأن المنطقتين اصبحتا اليوم قنبلة موقوتة، قابلة للانفجار في أي لحظة، ومع كل انفجار هناك أرواح بشرية تلقى حتفها.

تقع باب التبانة في الطرف الشمالي من مدينة طرابلس، يحدها من الشمال بساتين الليمون التي اعطت مدينة طرابلس لقبها الفيحاء، ومن الجنوب الاسواق التي كانت مصب لجميع القادمين من عكار وشمال سوريا، ما جعلها مقر لمواقف الباصات والتاكسي التي تنقل الركاب إلى المدن السورية المجاورة كحمص وحماه وتلكلخ وأيضاً القرى العكارية جمعاء. يحدها من الشرق البداوي و”جبل محسن”، ومن الغرب نهر أبو علي ومنطقة الزاهرية.

تعتبر “باب التبانة” اليوم من أشد المناطق فقراً في طرابلس ولبنان والعالم العربي، بالرغم من أن موقعها الاستراتيجي جغرافياً يمكنها من أن تستعيد لقبها الذي اكتسبته في الماضي، اذ كانت تعرف بـ”بوابة الذهب”، حيث ان جميع اهل الريف والمسافرين إلى سوريا والبحر يتبضعون من اسواقها. الا ان السلطة السياسية التي وضعت يدها على المنطقة، أوصلتها إلى الحضيض، ولا تزال تتابع المنطقة انحدارها نحو المجهول.

قصة “باب التبانة” و”جبل محسن” كقصة ابريق الزيت في لبنان، هاتين المنطقتين تعتبران بريد الرسائل الخاص بالزعماء السياسيين، من خلالهما يستطيعان الضغط على الفريق الآخر او التعبير عن آرائهما. وكل ما يستلزم الأمر، اتصال صغير من أحد الشخصيات السياسية ليعطي الإيعاز برمي قنبلة على المنطقة الأخرى، وما هي الا لحظات ويستيقظ وحش الاقتتال هناك. تعاني المنطقتين منذ عشرين عاماً من الاحقاد والثأر، وذلك بعد “مجزرة التبانة” التي قام بها النظام السوري وسقط ضحيتها المئات من المدنيين من اهالي المنطقة، مما جعل من هذه الحادثة نقطة تحول جوهرية في تاريخ المنطقة، وأثبتت التجارب ان جميع محاولات المصالحة بين زعامات المنطقتين باءت بالفشل، وكما يقول المثل، فاذا حبلت في الصين تنجب على خط التماس الفاصل بين المنطقتين. “باب التبانة” و”جبل محسن”، او ما يعرف اليوم بالبريد السياسي للمعسكرين المتصارعين في لبنان، يفتقران إلى العناية الاقتصادية الاجتماعية، في حين انهما ينعمان بالرعاية السياسية العسكرية.

تعاني المنطقتين من الفقر المدقع، وتتفشى البطالة بشكل كبير، في حين تظهر المعضلات الاجتماعية التي تسببها الحالتين، فللجريمة منزل في المنطقتين كما للجنح والاعمال الغير مشروعة. لا يخفى على أحد، ان هذا المربع المهدد بالانفجار لا سلطة للدولة عليه في الكثير من الأوقات، في حين يجد تجار ومروجوا الممنوعات الملاذ الآمن هناك لتصريف بضاعتهم. المسؤولية تقع اليوم في هذه المعضلة على الدولة الغائبة كلياً عن المنطقة، لا سيما وان للوزارات حصة الأسد من هذه المسؤولية، في ظل تغييب تام للمشاريع الاقتصادية التي من المؤكد انها ستنتشل هذه المنطقة التي تضم خيرة شباب الوطن من هذا المستنقع النتن. ومتى تطرقنا إلى الوضع الاقتصادي والمشاريع التي نادراً ما تقام في المنطقة، يجب علينا التطرق الى الجريمة البيئية التي وقعت في المنطقة، والمتمثلة بمشروع سقف نهر “أبو علي” وتحويله إلى محلات ومقاهي كان من المقرر ان تساهم في تحريك العجلة الاقتصادية للمنطقة وتنعشها سياحياً، الا ان الاهمال والفساد المستشري في الادارات الرسمية والشركة التي فازت بالمشروع حال دون اكماله، سقف النهر ولم تنشأ المحال، فتحوّل المشروع إلى مكان للبسطات و”البالات” العشوائية التي شوّهت المنطقة بدل من أن تحسّنها.

طرابلس اليوم التي تنعم بوزارات أربع، لا تزال ترزخ تحت ثقل الحرمان، لا سيما ان الوضع السياسي اليوم يوقف المنطقتين على المحكّ. في حين انه تاريخياً، منطقة “جبل محسن” بقيادة رفعت عيد، الأمين العام للحزب العربي الديمقراطي موالية للنظام السوري، ومنطقة “باب التبانة” معادية للنظام. فخلال الثورة السورية التي تدخل هذه الايام عامها الأول، حصل الكثير من الاحداث لا سيما اثر المظاهرات الداعمة التي قام بها ابناء “باب التبانة” او الصور المعارضة للرئيس السوري بشار الأسد التي رفعت في المنطقة، مما دفع بالطرف الآخر للرد عبر “الحركشات” التي أوصلت المنطقة الشهر الماضي إلى توتر مسلح سقط ضحيته العديد من الشباب بين جرحى وقتلى.

“باب التبانة” تحتاج إلى معجزة إلهية سياسية، تنتشلها من هذا الوضع وتنعشها، معجزة دائمة لرعاية ليست موسمية تبدأ قبل أشهر من الانتخابات وتنتهي بعد فرز الأصوات. باب التبانة تحتاج إلى مشاريع اقتصادية تنعش البلد والمنطقة لا سيما وان اليد العاملة منتشرة بشكل كبير في المنطقة. مشاريع تأهيلية اجتماعية، لإعادة تأهيل سكان المنطقة ودفع كاهل الجهل والفقر والعوز خارج حدود المنطقة.

صفحة المدونة على الفايسبوك

One thought on ““باب التبانة” قنبلة موقوتة زرعت تحت خطّ الفقر العالمي

  1. Reblogged this on Nizar Rammal and commented:
    “خزان بشري” (ليك ملّا كلمة) لأكبر تيّار سياسي بالبلد، 4 من أصحاب المليارات، 9 4 وزراء، رئيس حكومة حالي، وآخر سابق (بس هلّق موجود من خلال ابنو)، وهاي بعد ما جبنا سيرة آل الحريري ووعودهم وممثليهم في المنطقة…ولا جبنا سيرة حزب الكتائب ولا القوات اللبنانية ولا اليسار الديمقراطي وممثليهم في المنطقة…

رأيك يهمنا

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s