
القتلة اعتقدوا أن مشكلتهم بقتل سليم اللوزي ستحل إلا أنه كان سبباً لخروج المئات من مدرسته
إنه من وحل الأرض من عائلة لم يمارس فيها الادب غيره. أبصر النور في طرابلس عام 1922. تلقى دراسته في مدرسة الصنائع حيث شكلت الكتب حيزاً كبيراً من حياته. سافر إلى يافا في فلسطين باحثاً عن آفاق جديدة لنفسه، إلتحق عام 1944 بإذاعة الشرق الأدنى ككاتب للتمثيليات الإذاعية. ثم استقال ليعمل في مجلة “روز اليوسف” في مصر. عاد إلى بيروت عام 1950 بعد أن وجه إنتقاد إلى رئيس وزراء مصر ليتابع الصحافة المكتوبة في جريدة “الصياد”. مع وقوع ثورة 23 يوليو برز قلم “سليم اللوزي” ولمع. انتقل بعدها لجريدة “الجمهور الجديد” وأخذ من “دار الهلال” مقراً له مراسلاً مجلتي “المصور”، “الكواكب”. ذاع وإنتشر اسمه إلى كافة الدول العربية. في 19 أكتوبر أصدر العدد الأول لمجلة الحوادث بعد أن حصل على إمتيازها. عام 1957 تحولت “الحوادث” إلى خط المعارضة وفي 30 أيار1957 اصدر مذكرة بتوقيفه رداً على مقال لاذع وصودرت الأعداد وردّ وقتها بشعار “لن أركع”. وفي عام 1973 كان سليم من المدافعين عن حرية وسيادة لبنان، مع دخول الجيش السوري إلى لبنان إشتدّت معارضته متخذاً منحى قاسٍ معارض للنظام السوري واضطر إلى السفر واصدار المجلة من لندن هربا من التهديديات والمضايقات.
لأنه قال لأ.. كان لابد أن يختفي سليم اللوزي ويخرس قلمه.. ولانه رفع صوته في وجه المخابرات السورية التي تسيطر علي بيروت. كان لابد أن يدفع الصحفي اللبناني المعروف صديق الرؤساء حياته ثمنا لمقالاته الملتهبة في مجلة الحوادث التي تجرأ فيها على الحكم في دمشق.. وبعد تعذيبه أياما في منطقة مهجورة أطلقوا الرصاص عليه وأذابوا يده اليمني التي يكتب بها بالأسيد، وكان اغتيال اللوزي رسالة تحذير إلي اللبنانيين الذين يعارضون التدخل السوري! وقيد الحادث ضد مجهول!
كان سليم اللوزي من ألمع الصحفيين اللبنانيين وأكثرهم جرأة في فتح ملفات القضايا الساخنة وكان محبا لمصر وتربطه صداقة مع الرئيس عبدالناصر ومع الرئيس السادات وأجري معهما أحاديث صريحة عن الهموم العربية.. وحينما نشبت الحرب الأهلية في لبنان وتعرض مبني الحوادث للحريق، إضطر اللوزي إلي الخروج والإقامة في لندن بسبب التهديدات بقتله.. ولكنه لم يتخل عن قلمه الساخن في مواجهة الفتنة الطائفية، وكانت القوات السورية قد دخلت لبنان مع ‘قوات الردع’ لوضع حد للإقتتال الذي استمر سنوات وراح ضحيته الآلاف، وتم بعد ذلك الانتشار العسكري والمخابراتي السوري في بيروت، وكان اللوزي يشعر بالألم النفسي لما آل إليه حال لبنان، وكان يعبر عن ذلك خلال المقابلات في القاهرة ويقول: إنهم يريدون تخويفنا لنكون موالين لهم!
وانفجرت الأزمة عندما اتهم سليم اللوزي عملاء المخابرات السورية بقتل شقيقه مصطفي بالرصاص في طرابلس *علي شاطيء البحر* لتصفية الحسابات بسبب تقرير نشر في مجلة ‘الحوادث’ *التي كانت تصدر وقتها من لندن* عن فساد زعيم حركة الشباب العلوي الموالية لسوريا.. وكان سليم يشعر بالذنب عن مصرع شقيقه .. وأخذ يكشف في مقالاته أوضاع الحكم في سوريا علي صفحات مجلته وكان يستمد معلوماته من أحد أعوان رفعت الأسد وآخرين من الهاربين السوريين في جلسات طويلة في بيته في لندن *حدث ذلك في أواخر 79* وكتب اللوزي المقال الأول تحت عنوان: ‘.. وغدا إذا ما إغتالتني المخابرات العسكرية (السورية) أكون قد استحققت هذا المصير لإنني أحب بلدي وأخلص لمهنتي’!
وبعدها إلتقي سليم اللوزي في باريس مع صلاح البيطار *الزعيم البعثي السوري المنفي الذي تم إغتياله* وحذره من الخوض في الممنوعات السورية وطلب منه أن يبعد عن الشر.. ولكنه لم يعد يسمع سوي نفسه وكتب مقالا ثانيا عنوانه: ‘قال لي صديقي الدمشقي: كنت خائفا عليك من التصفية، فأصبحت خائفا عليك مما هو أشد وأقسي!’ ونشر الحوار الذي دار بينه وبين البيطار وقال فيه: هل يمكن تجاهل القمع الدموي؟ هل يمكن المرور بالمجزرة التي وقعت في مدرسة المدفعية في حلب؟ لست وراء إسقاط النظام وأعرف الثمن الذي ستدفعه سوريا إذا استمر الصراع الدموي الدائر!
وكان هجوم اللوزي علي المخابرات السورية مفاجئا وهو ما جعلها ترسل إليه رسالة إنذار *عن طريق مدير مكتب الحوادث في بيروت* وقالوا فيها: قف مكانك.. إننا لم نقتل أخاك.. فلا تفقد عقلك؟! ولكنه لم يصدق رسالتهم واستمر في حملته وكان متأكدا انهم قرروا تصفيته، وفي ذلك الوقت كان غازي كنعان مدير المخابرات السورية في بيروت هو الحاكم بأمره ويفرض الهيمنة علي الأوضاع السياسية والداخلية اللبنانية بكل الوسائل وكان اسمه يثير الرعب والفزع!
*****
ومضت شهور وتلقي اللوزي خبر وفاة أمه وقرر أن يعود إلي بيروت لتلقي العزاء بنفسه، وحاول الأصدقاء منعه من السفر وقالوا له: رأسك مطلوب.. الموت في إنتظارك!
قرّر العودة إلى لبنان ليحضر مأتم والدته، غير عابئ بالتهديد والوعيد. وعندما نصحه أحد أصدقائه بالعدول عن قراره لأن أيدي الشر تتربص به، أجابه: “ولو… ألا يحترمون حرمة الموت ؟ إنني ذاهب لأدفن والدتي”. وتوسلت إليه زوجته من أجل بناته الصغيرات، وأصر بعناده على الذهاب إلي بيروت.. واقترحوا عليه التوجه إلي لبنان عن طريق الشام.. ولكنه عاود الإصرار على الدخول من المطار.. وعندما وصل صباح 21 فبراير 1980 طلبه ياسر عرفات *وكان وقتها يتواجد في لبنان مع الفصائل الفلسطينية * وأبلغه: بأنه سيخصص له حراسة فلسطينية، ولكنه اعتذر وبقي بلا حراسة، واستمر العزاء ثلاثة أيام من جميع الطوائف اللبنانية!
كان المفروض أن يغادر سليم اللوزي مع زوجته أمية صباح السبت بطائرة الخطوط اللبنانية إلي لندن، ولكنه تلقي رسالة *عن طريق النائب رينيه معوض* بأن الرئيس اللبناني إلياس سركيس سيقابله السبت ولذلك أجل السفر إلي يوم الأحد .. وبكت أمية (زوجته) عندما عرفت بالتأجيل لان قلبها كان يستشعر الخطر علي زوجها خصوصا بعدما وضعوا حاجزا عسكريا أمام البيت، ويبدو أن ذلك كان جزءا من خطة الإغتيال المدبرة وبقائه يوما آخر لترتيب العملية! وانتظر سليم في البيت تحديد موعد مقابلة الرئيس صباح السبت ولكنه لم يتلق أية مكاملة تليفونية، ولم يطق الانتظار وخرج وحده *وبدون علم زوجته* وتجول في بيروت وكأنما يودعها ويلقي النظرة الأخيرة عليها.. وذهب إلي جريدة ‘النهار’ والتقي مع المحررين هناك.. وعاد متأخرا ورأي حاجزين للجيش (السوري) في الشارع..!
*****
وجاء يوم الأحد الأسود 25 فبراير وتم حزم الحقائب، وخرجت أمية في الصباح الباكر لتسدد الحسابات قبل المغادرة، وعند عودتها فوجئت بإنقطاع الكهرباء عن المبني وكان المسكن في الطابق العاشر وطلبت من الحارس أن يصعد ليطلب من زوجها النزول .. وتأخر سليم لانه كان في انتظار اثنين من زملائه لمرافقته إلي المطار ولم يحضرا.. وكان الجو يسوده التوتر والريبة من شيء مجهول.. وكما روت أمية بعد ذلك في لندن مأساتها الحزينة:
‘إتجهنا إلي المطار في سيارتنا وجلست بجانب سليم في المقعد الخلفي، وتصحبنا سيارة مدير الإعلانات البيجو، وعلي جانبي الطريق إلي مطار بيروت كانت تنتشر قوات الردع، وعند الحاجز الرئيسي أوقفتنا مجموعة *ضابط وثلاثة جنود* وصوبوا اسلحتهم نحونا وطلب الضابط جوازات السفر وقال سليم: اعتقد انني المطلوب!
وأمرنا الضابط (السوري) بالنزول من السيارة، وأمر شقيقتي المرافقة بالعودة في سيارة مدير الإعلانات.. وبقيت مع سليم في عرض الطريق حتى جاءت سيارة أخري وداخلها شخصان مسلحان وسائق وأخذوني معهم واعطاني الضابط جوازات السفر، وبينما اخذوا سليم في سيارته بمفرده بعدما انزلوا السائق والحارس الخاص، ولاحظت ان السيارة الأخري مزودة بجهاز لاسلكي *ويبدو انها من سيارات المخابرات* وانطلقت السيارة التي تحمل سليم وسيارتنا تتبعها وبها المسلحين، واتجهنا إلي طريق خلدة وإلي الدامور ولم تغب عني سيارة سليم المرسيدس، وأيقنت انها عملية اختطاف من جانب المخابرات قبل وصولنا إلي مطار بيروت.
وعندما وصلنا إلي الدامور طلب الحارس ايقاف السيارة لشراء علبة سجائر، ولم اتصور انها خدعة للتعطيل.. وعندما عاد بعد فترة كانت سيارة سليم قد اختفت تماما من أنظارنا.. ولم أعرف إلي أين؟
واتجهنا إلي طريق عرمون وكانت حقيبة أوراق سليم مازالت معي، وتوقفنا عند الوادي وأنزلوني في منطقة منعزلة مليئة بالصخور والبرك الراكدة، وخطفوا الحقيبة وفتشوا أوراقها وسألوني: أين الملف؟ وجردوني من مصوغاتي وحقيبة يدي وكنت أرتدي جاكيت من الفراء ووضعوا رباطا علي عيني وفي يدي وبقيت هناك ست ساعات حتي المساء وتخلصت من قيودي ومشيت بلا حذاء وسط الأحراش حتي وصلت طريق عرمون *وكنت أخفيت الملف تحت الجاكيت* وأوقفت سيارة تاكسي متجهة من الجبل إلي بيروت، وجلست بين الركاب وسمعت في الراديو: ان الصحفي سليم اللوزي مازال مخطوفا!’
*****
وعادت أمية اللوزي إلي بيتها في حالة يرثي لها واتصلت بياسرعرفات ولكنها لم تعرف أية اخبار عن زوجها وعن مصيره؟
ووضع عرفات حراسة فلسطينية علي البيت، وفي الداخل كان هناك عدد كبير من رجال المخابرات والأمن، واقترح عرفات الاتصال بالرئيس سركيس للتدخل حتي لايتعرض اللوزي للتصفية.. وكان الرئيس صائب سلام قد طلب من سليم مغادرة بيروت للتمويه قبل سفره بيوم ولايلغي حجز الاحد بالطائرة ولكنه رفض.. وبعد ثلاثة أيام وجدوا سيارته المرسيدس أمام ملهي ليلي يملكه سركيس شلهوب وازداد الحادث غموضا واتجهت الشبهات إلي ان المختطفين من عملاء المخابرات السورية..!
وفي مساء الثلاثاء 4 مارس وجدوا جثة سليم اللوزي في منطقة ‘عرمون’ واكتشفها راعي غنم شاب وأبلغ مخفر الامن وابلغ وزير الداخلية مدير مكتب ‘الحوادث’ بالعثور عليها.. واذاع التليفزيون اللبناني الخبر وعم الحزن مدينة بيروت.. و’قيدت الجريمة ضد مجهول’.. ولكن تقرير المدعي العام يشير إلي الفاعل بدون تحديد وحسب توصيف الحادث:
فإن مجهولين اقدموا على خطف الصحفي سليم اللوزي صاحب مجلة الحوادث بقوة السلاح *يوم 24 فبراير* ومن ثم قتله بإطلاق النار عليه من مسدس حربي غير مرخص وتعذيبه جسديا.. وتبين من تقرير الطبيب الشرعي: أنه تم اطلاق الرصاص علي رأسه من الخلف، ووضعوا يده اليمني *التي يكتب بها* في حامض فتاك لكي تذوب في السائل الحارق وتتآكل العظام والاربطة حتي أطراف الأصابع، وهناك كسور في الاضلاع الصدرية مما يدل علي أنه جري تعذيبه بوحشية علي مدي ثمانية أيام، وفي التقرير اشارة إلي رصاصة غير قاتلة نفذت من الخد الأيمن للتعذيب..!
وكان اغتيال سليم اللوزي وتعذيبه بمثابة انذار للصحفيين اللبنانيين بالمصير الذي ينتظر من يقول: لأ.. لسوريا!
وتبقي المفاجأة الأخيرة: أن راعي الغنم الذي عثر علي الجثة وجد مقتولا في أحراش عرمون أيضا *نفس المكان* وبعد خمسة أيام فقط.. وبقي الفاعل مجهولا!..
————
أهم مقالاته :
_____________________________________________
قال لي صديقي الدمشقي : كنت أخاف عليك من التصفية فأصبحت أخاف عليك مما هو أشد وأقسى !
قال لى صديقي الدمشقي اللاجئ في جنيف منذ أكثر من عشر سنوات : ماذا دهاك ؟ لماذا تخوض في الممنوعات السورية ، فتكتب عن الحكم فى دمشق اخباراً ومعلومات لا يريدون ان تقال ، فتعرض نفسك وتعرض أهلك للمخاطر ؟ هل سوريا هي وحدها التي تعاني مشكلة حساسة متفجرة ؟ أليس فى العالم العربي مشاكل كثيرة اقل حساسية واقل تعرضاً للأخطار … فلماذا لا تكتفي بالحديث عنها ؟
قلت : مراعاة الحكم السوري والابتعاد عن متفجراته شيء واهمال الكتابة عن القضايا التي تفرض نفسها على الاحدات شيء آخر … فهل كان يمكن تجاهل زحف الارهاب الدموي على مدينة في أهمية وغلاوة طرابلس ؟ هل كان يمكن المرور بالمجزرة التي وقعت في مدرسة المدفعية في حلب فلا نلقي الأضواء على خلفياتها ؟
قال الإعتراض هو على الرهان بأن في الأمكان اسقاط نظام حافظ الأسد بسهولة !
قلت : لست وراء اسقاط حكم حافط الأسد فأنا لا أتمنى هذا ، واعرف الثمن الذي ستدفعه سوريا إذا استمر الصراع الدموي المجنون الداتر اليوم … ولكني صحفي ، وأحرص على أن لا تصيبني لوثة الخوف فتمنعني عن ممارسة مهنتي .فالصحافي لا يسأل .. لماذا ينشر ؟ بل يسأل : لماذا لا ينشر !
قال : ولو كان النشر يكلفك الفاتورة الغالية التي دفعتها حتي الأن ؟
قلت : هذا قدري . إما ان ابقى صحفياً امينا لهذه المهنة التي اعطيتها عمري ، وإما ان اؤثرالسلامة فأعتزل … ( إلخ )
… ووجدت نفسي ادخل مع صديقي الدمشقي في حوار طويل نسينا معه لبنان وسوريا ومصر ، بل العراق وليبيا وعدن ، فرحنا نستعرض الاوضاع العربية خلال العشر سنوات التي تلت هزيمة 1967 . فالواقع العربي المؤلم الذي نعيشه هو ان ليس في معظم البلاد العربية التي تحكم عن طريق المخابرات العسكرية قدرة على تغيير الحكم مهما ارتكب هذا الحكم من اخطاء . فاذا جرت محاولة لتغييراي نظام من الأنظمة العسكرية القائمة وجدنا أنفسنا أمام مأزق مصيري ، هو ان الوطن معرض للانقسام الى دويلات طائفية واقليمية قبل ان تستطيع المعارضة (التى تأخذ شكل التشكيلات العسكرية السرية) ان تسقط الحكم ، تماما كما حصل في لبنان :
وانا اعترف هنا ان صديقي كان على حق . ففي سوريا مثلاً لا امكانية لتغيير الحكم القائم . فبسهولة تنشأ دويلات طائفية .العلويون يستقلون في منطقتهم ، والدروز يستقلون في جبل الدروز … وربما استقل الاكراد كذلك في منطقة معينة في الجزيرة . بل ربما نشأت عدة دويلات اخرى … ( إلخ )
… والخوف بعد هو المشكلة . فالمعارضة تخيف الحاكم . فيزداد حاجة إلى روابطه العشائرية والعائلية والطائفية للحماية والمقاومة . والحاكم يخيف المعارضة فتزداد بدورها حاجة للتحريض الطائفي والمشاعر الطائفية . ويدفع البلد ككل ثمن التفتت .
وسألني صديقي الدمشقي : والنهاية ؟
قلت : هل هناك اسوأ من مثل هذه النهاية ؟ هل في العالم العربي حركة سياسية كالحركات التي عرفناها في الخمسينات من حركة القوميين السوريين الى حركة حزب البعث الى حركة القوميين العرب ؟ هل عندنا تنظيم سياسى او عقائدي – لا فرق – يطرح افكارا جديدة ويقدم للشباب الطالع دليلاً للخروج من هذا المأزق التاريخي الذي نواجهه ، دون ان يجد نفسه في النهاية تابعاً لجهاز من أجهزة المخابرات ؟
وودعني صديقى الدمشقي وهو يقول : كنت خائفاً عليك من التصفية فأصبحت خائفاً عليك مما هو اشد واقسى … من الياس !
_____________________________________________
ظل يضرب بسيف الحرية الى أن قتله سيف .. الظلم
” … وغدًا ، اذا نجحت المخابرات العسكرية في تنفيذ الحكم الذي اصدرته باغتيالي . وهي قادرة على ذلك بوسائلها المختلفة ، فاني اكون قد استحققت هذا المصير . وعزاء زوجتي وبناتي واولاد أخي مصطفى التسعة ، انني احببت بلدي ، واخلصت لمهنتي ، اكثر مما اخافني الارهاب وردعني حكم المخابرات العسكرية . “
وقل : ” لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا ، هو مولانا ،وعلى الله ،فليتوكل المؤمنون ” صدق الله العظيم .
بهذه الكلمات ، انهى سليم اللوزي نعي شقيقه ونعي نفسه ! لقد كان يعلم ان قرارا باعدامه قد صدر عن ” اجهزة السفاحين ” ، الذين احترفوا القتل وسفك الدم ، وكلما ارتكبوا جريمة حاولوا تغطيتها بجريمة اسوا منها واكثر بشاعة وشناعة .
لكن الذين اغتالوا سليم اللوزي , لم يدركوا ان قضيته لم تنته باغتياله ، ولن تنتهى . بل هي قد بدات الان . وسليم اللوزي ، الذي كان يعرف انه كان مهددا بالموت لم يهن ولم يتردد , ولم يشأ ان يضحي بالمبدأ ، الذي ظل طوال حياته يناضل من اجله . والذى حدث ان هذا المبدا ضرج بدم طاهر يزيد من وهجه ومن حرارته يوما بعد يوم .
دمروا له مبنى ” الحوادث ” فى بيروت ، فلم يضعف . قتلوا له شقيقه ، فتقبل ذلك بصمت ، وكأنه كان يعرف ان ثمن الكلمة الصادقة ، ثمن الحقيقة ، فادح جدا .
وقبل ان يغادر لندن الى بيروت ، لقبول التعازي بأمه ، كان كمن يتقبل التعازي بنفسه ، لانه كان يدرك ان الذين احترفوا الاجرام والغدرمتربصون به .ومع ذلك لم يعدل عن السفر على الرغم من تحذير زملائه في غير اجتماع معه واصدقائه .
كان سليم اللوزي شجاعا الى حد اللامبالاة بجدية جلاديه وسفاحي أمته العربية ، ووطنه لبنان . تحدى قرارهم باعدامه ، ووصل الى بيروت ثم الى منزله سالما . نظر الى زوجته وقال لها : ” لقد وصلت الى البيت . لم تتحقق مخاوفك “ّ لكن السفاح لم يتركه يكمل المشوار . اختطفه ، ثم قتله في طريق العودة الى حيث يمارس اشرف مهنة ، صناعة كشف الحقيقة .
ما قاله سليم اللوزي لزوجته يثبت ما عرفه المقربون اليه . لقد عاش بعقل نظيف .. ومات بوجدان نظيف . لم يعتقد ، ولو للحظة واحدة ، انهم سيخطفونه كان يتمنى ان يقابلوه وجها لوجه ، يحاوروه ، يناقشوه ، يقارعونه الحجة بمثلها . ذلك لم يحدث , قابلوا فكره برصاصتين في دماغه . لم يطلقوهما على قلبه الكبير , سددوا رصاصتي الغدر الى دماغه . فقد عرفوا ان قوة كلمته في راسه . فوجهت يد السفاح رصاصتيها الى مصدر قوة سليم . ونسيت يد السفاح ان سليم اللوزي فكره مدرسة . استمرار لا يطاله الرصاص .
لم يستسلم سليم اللوزي للتهديد والوعيد . ولم تضعفه الاغراءات . كان قويا ، عنيفا ، لم يعرف التردد . ومرة واحدة فقط دمعت عيناه . نعم مرة واحدة رأى زملائه في مجلة ” الحوادث ” دموع الحب والحنان في عيني سليم . عشية سفره الى بيروت قرأ سليم اللوزي التحقيق الذي نشرته ” الحوادث ” عن الخاشقجي .. وكلما قرأ فقرة عن اولاد الخاشقجي بكت عيناه .. لقد احس سليم بانه يودع اولاده الى الأبد في دموعه على أبناء الأخرين .
كان يقول للعاملين معه : ” الحوادث ” خط سياسى . هي رسالة . حافظوا عليها من بعدي .
ولم يعلم سفاحوه أنهم لم يغتالوا ” الحوادث ” ولن يستطيعوا .
سليم اللوزي كان اكبر من المجلة التي رأس تحريرها واشرف على توجيهها . فحينما كانت اسرة المجلة ترى من الحكمة ان تصمت ، ولو مؤقتا ، كان يعارض الصمت ، ويصرّ على الكلام .. وكان يتكلم وبصوت عال ..
لم يكن جبانا . الذين وجهوا الرصاص الى رأسه ، هم الذين كانوا جبناء . اما الذين صمتوا يوم اختطف سليم اللوزي ، فانهم كانوا مجرد سياسيين يقفون الى يمين اليسار ، والى يسار اليمين ، ويستسهلون مواجهة اجهزة التصوير .
لذلك . كان سليم اللوزي اكبرمن السياسة ، واكبر من المناصب مهما علت . كان يرفض المداراة عن الذين لا يستمدون شجاعتهم الا من السلاح الذي في ايديهم .
كان سليم اللوزي يقول : ” اذا كانت الغربة قد فرضت على الصحافة الانفصال عن الوطن .. فانها يجب الا تفرض عليها الانفصال عن حرية الوطن ” .
من هنا سيقال ان الحرية قد فقدت فدائيا من اشجع فدائييها … وان الوطن قد خسر قلما من اكثر الأقلام حبا للحقيقة ، وهي الحقيقة التي اكتوى بنارها واستشهد من اجلها .
فسليم اللوزي هو مرحلة مميزة في تاريخ الصحافة العربية ، كان فكرا عاليا وصوتا مدويا . لذلك وجهت الرصاصة الى عقله النير لعله يتوقف عن التفكير . ذلك ان فكره كان خطرا على الذين يفكرون ببنادقهم فقط … وقلمه كان خطرا على الذين يكتبون بالدماء فقط .
لقد رفض مهادنة الأنظمة التي يعتبرها معادية للحريات . وفي كل مقالاته ، ومطارحاته ، ومصارحاته ، كان يعتبر تكميم الصحافة سببا رئيسيا في الهزانم العربية ، والتخلف العربي والتخاذل العربي … (إلخ)
تحميل روايته : المهاجرون
This slideshow requires JavaScript.





مونتيسكيو: "أختلف معك كليا في الرأي .. و لكني أقاتل و ابذل الدماء من أجل ضمان حريتك في التعبير عن رأيك"




لا طالما أثبت الطغاة والأعداء المتسلطون ضعفهم تجاه الحق ونكلوا بأصوات النضال والحرية..
لو لم يكن القلم أقل حدة وتأثيرا وفاعلية من البارود لما أعاره العدو أي اهتمام لكن الصحافة كانت دوما مرأة تعكس طغيانهم..
شكرا لقلمك الذي أحيى ذكرى لن تنطفئ…
“لم يكن جبانا . الذين وجهوا الرصاص الى رأسه ، هم الذين كانوا جبناء . اما الذين صمتوا يوم اختطف سليم اللوزي ، فانهم كانوا مجرد سياسيين يقفون الى يمين اليسار ، والى يسار اليمين ، ويستسهلون مواجهة اجهزة التصوير .
لذلك . كان سليم اللوزي اكبرمن السياسة ، واكبر من المناصب مهما علت . كان يرفض المداراة عن الذين لا يستمدون شجاعتهم الا من السلاح الذي في ايديهم .”
وصمة عار في تاريخك يا مخابرات سوريا الى الجحيم حي في قبرك يا شهيد الصحافة اللبنانية حي في قبرك يا سليم اللوزي واموات على عروشهم والهم المقبور حافظ الاسد الذي فطس بالسرطان عقبال بشار
تعيش وتفتكر يا سليم بك
شجاعة لم نرى مثيل لها في الصحافة العربية وقلم حر انبت ازهارا” في صحافة الوطن.
سليم اللوزي نكتشف اليوم أكثر حاجة لبنان الى قلمه الحر وكلمته الرشيدة.
شهيد الصحافة سلاحه القلم وما خاب من سلاحه القلم,
سيرة مميزة وتاريخ حافل بالمواقف الشجاعة.